الحلبي

236

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وعن أسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان جالسا مع أصحابه فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي فسمعناه يقول : وعليه السلام ورحمة اللّه وبركاته ، فلما سري عنه صلى اللّه عليه وسلم قال : هذا جبريل عليه السلام يقرئني من خبيب السلام ، خبيب قتلته قريش » . وقد جاء : أن المشركين دعوا أربعين ولدا ممن قتل آباؤهم يوم بدر فأعطوا كل واحد رمحا ، وقالوا هذا الذي قتل آباءكم ، فطعنوه بتلك الرماح حتى قتلوه ، ووكلوا بتلك الخشبة أربعين رجلا ، فأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المقداد والزبير بن العوام رضي اللّه تعالى عنهما في إنزال خبيب عن خشبته . وفي لفظ قال صلى اللّه عليه وسلم : « أيكم ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة ؟ فقال له الزبير بن العوام رضي اللّه تعالى عنه : أنا يا رسول اللّه وصاحبي المقداد بن الأسود ، فجاءا فوجدا عندها أربعين رجلا لكنهم سكارى نيام فأنزلاه » وذلك بعد أربعين يوما من صلبه وموته . وحمله الزبير رضي اللّه تعالى عنه على فرسه وهو رطب لم يتغير منه شيء فشعر بهما المشركون ، أي وكانوا سبعين رجلا فتبعوهما ، فلما لحقوا بهما قذفه الزبير رضي اللّه تعالى عنه ، فابتلعته الأرض اه . ومن ثم قيل له بليع الأرض ، أي وكشف الزبير رضي اللّه تعالى عنه العمامة عن رأسه وقال لهم : أنا الزبير بن العوام وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان رابضان يذبان عن شبلهما ، فإن شئتم ناضلتكم ، وإن شئتم نازلتكم ، وإن شئتم انصرفتم ، فانصرفوا عنهما . وقدما على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة وكان عنده صلى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السّلام ، فقال له جبريل : يا محمد إن الملائكة تباهي بهذين الرجلين من أصحابك ، فنزل فيهما : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [ البقرة : الآية 207 ] الآية ، وتقدم أنه قيل إنها نزلت في عليّ كرم اللّه وجهه لما نام على فراشه صلى اللّه عليه وسلم ليلة ذهابه إلى الغار . وقيل إنها نزلت في حق صهيب لما أراد الهجرة ومنعه منها قريش ، فجعل لهم ثلث ماله أو كله كما تقدم . ورأيت بعضهم هنا قال : إنها نزلت في صهيب رضي اللّه تعالى عنه لما أخذه المشركون ليعذبوه ، فقال لهم : إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أو من غيركم ، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتدعوني وديني ففعلوا . وفي كلام ابن الجوزي رحمه اللّه أن عمرو بن أمية هو الذي أنزل خبيبا ، فعنه رضي اللّه تعالى عنه قال : جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها فحللته فوقع إلى الأرض ، ثم التفت فلم أر خبيبا ابتلعته الأرض ، وهذا هو الموافق لما في السيرة الهشامية ، وأن ذلك كان حين أرسله صلى اللّه عليه وسلم والأنصار لقتل أبي سفيان بن حرب كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى : أي كان خبيب رضي اللّه تعالى عنه تحرك على الخشبة